حكاية فقيد شفشاون - قصة واقعية حزينة


شفشاون هي قرية صغيرة ونائية في الأطراف الشمالية لدولة المغرب، تحيط بها الجبال والصحاري من كل جانب، جبالها تكسوها الأشجار الخضراء العالية كأنها جنة خضراء، شاءت إرادة الله أن يكون لها شأن عظيم في الأيام القليلة الماضية، حيث أصبحت بين عشية وضحاها رمزاً للوحدة وجمع شتات الأمة المتفرقة، وتصدرت بقصتها الإنسانية الحزينة كافة وسائل الإعلام العربية والعالمية.

تبدأ القصة قبل سبع سنوات من اليوم، برجل فقير يبحث عن الماء في تلك المنطقة القاحلة، ليسقي به أشجار الزيتون في حقله الصغير، فيحاول حفر بئر ارتوازية بعمق ستين متراً تحت الأرض ليجلب منه الماء،  وبعد فترة وجيزة ينضب الماء من هذا البئر، فيقرر تغطية فوهة البئر التي لا تتجاوز الثلاثين سنتيمتراً ببعض الأخشاب القديمة، حتى لا يسقط فيه أحد الأطفال الصغار.

بعد سنتين من حفر تلك البئر يرزق الرجل بطفل صغير، ويقرر أن يسميه "ريان"، ويشب ريان بين ناظريه، طفلاً قد ملء بالحيوية والنشاط، وحب اللعب، أحبه أبويه وتعلقا به أيما تعلق، لخفة ظله ومرحه، وتعلق به كل أهله وأصحابه وجيرانه، حتى أنه أصبح رمزاً للبهجة والمحبة في تلك القرية الصغيرة المغمورة في ذاكرة النسيان.

بلغ ريان الخامسة من عمره، وأصبح يلازم والده في كل مكان، وكان والده يحب أن يصطحبه معه في كل مكان، وذات يوم يخرج كعادته خلف والده؛ والذى كان متعجلاً لقضاء بعض احتياجات المنزل، وأثناء الطريق يتبادلان أطراف الحديث، وبينما هم في الطريق يمرون على مكان البئر القديمة، فيلاحظ الأب بأن الأخشاب التي تغطي البئر قد تهالكت بمرور الزمن، وتحدثه نفسه بأنه يجب عليه أن يعيد إحكام فوهة البئر مرة أخرى، حتى لا يسقط فيه أحد من أطفال القرية، وقبل أن يتجاوز عقله تلك الخاطرة، يتذكر بأن ريان يتبعه ويخشى عليه من السقوط في تلك البئر العميقة، فيخاطبه قائلاً: انتبه يا ريان حتى لا تسقط في تلك البئر، وقبل أن ينتهى من كلامه، يسمع من خلفه فجأة صراخاً مدوياً وضجيجاً لسقوط ابنه ريان في فوهة ذلك البئر!!!

توقفت الكلمات في حلقه كالغصة التي ترفض الخروج من هول الصدمة القوية والفاجعة الكبيرة، وتلعثمت حروفه على أطراف لسانه، وانتفض قلبه من مكامنه، وارتجفت جوارحه واهتزت أركانه حتى عجز عن القيام، وسقط بجوار البئر من هول المصيبة التي ألمت به.

        يلتفت يميناً ويساراً في ذهول، وهو لا يكاد يصدق بأن ابنه الحبيب والصغير "ريان" قد سقط في فوهة ذلك البئر، ينتبه أخيراً من تلك الصدمة، ويصرخ بأعلى صوته وينادي عليه، ريان، ريان، ريان!!!  ولكن دون جدوى، ينهض مسرعاً، ويعاود الصراخ مرة أخرى بأعلى صوته طلباً للنجدة والمساعدة من أهل القرية، يهرول الناس لنجدته من كل مكان، والكل يحاول لكن دون جدوى فالبئر عميقة وضيقة والتربة هشة، وأي محاولة للحفر لتوسيع فوهة البئر سوف ينهار على ريان ويدفنه حياً.

        اجتمع بعض شباب القرية، وفكروا في كيفية المساعدة، وقرروا بث هذا الحدث مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، واستغاثوا بالملك والحكومة والخبراء وكل من لديه فكرة قد تمكنهم من إنقاذ حياة ذلك الطفل الصغير، بدأ البث المباشر، وبدأت الجماهير الغفيرة تشارك البث، وبدأ الناس يتدفقون على المكان كالموج الهادر، وفي دقائق معدودة وصل البث المباشر للملايين عبر العالم، وأصبح الحدث الأشهر عالمياً، وبدأت الوكالات الإخبارية العربية والعالمية والقنوات الفائية الشهيرة تسلط الضوء على هذا الحدث، وترسل مراسليها لتغطية الاحداث لحظة بلحظة.

        وصلت الأخبار لجلالة الملك، فاستجاب على الفور لاستغاثة هذا الأب الحزين وتلك الأم المكلومة وأهالي هذه القرية المنكوبة، وكلف الحكومة بتذليل كافة العقبات وتسخير كافة إمكانيات الدولة لإنقاذ الطفل ريان.

        تدفقت جموع المتطوعون والخبراء على المكان، ويقرر الخبراء بأن هشاشة التربة تقف حائلاً دون الحفر العمودي بجوار البئر لتوسعته، ويقررون بأن يبدأ الحفر العمودي بعيداً عن فوهة البئر، ثم يتم الحفر الأفقي عبر أنابيب معدنية قوية حتى يصلوا إلى الطفل، حتى لا يحدث انهيار في التربة.

        يحبس الجميع الأنفاس، وتتدفق آلات الحفر على المكان، ويسابق الجميع الزمن، ويحاول الأطباء ضخ الاكسجين في البئر حتى يستطيع الطفل التنفس، ويحاولون مراقبته عن طريق الكاميرات، ويقررون بأنه يتحرك ويتنفس وأن قلبه لا يزال ينبض، لكنه لا يستطيع تناول الطعام، ربما بسبب بعض الكسور من أثر السقوط، لأنه سقط لمسافة اثنين وثلاثون متراً أسفل فوهة البئر.

        تتدفق جموع المواطنين على المكان، ويزدحم المكان، وينتشر الأمن لتطويق المكان حتى لا يتضرر أحد من الموطنين من جراء السقوط أو التدافع أو انهيار التربة لا قدر الله، وتنقل وسائل الإعلام الحدث لحظة بلحظة، وتتوالى اتصالات الجماهير لتشد أزر أهل "ريان"، وتؤازر الشعب المغربي في مصابه الأليم، وتتجلى مع تلك الحادثة الأليمة مشاعر الألفة والرحمة والشفقة بين الشعوب العربية، ويبتهل الجميع بالدعاء إلي الله لإنقاذ ريان، حتى أن بعض أئمة المساجد خصصوا دعاء القنوت في الصلوات للدعاء لريان.

        وينبثق من رحم تلك الأزمة أهمية الاتحاد والتآلف والتعاون بين الشعوب الإسلامية والعربية،  وأهمية الوحدة بين الشعوب وحكوماتهم في إدارة الأزمات، فقد أظهرت الحكومة المغربية براعة في إدارة الأزمة، والحرص على مصلحة المواطنين، وأظهر المواطنين المغاربة تعاوناً منقطع النظير مع قيادتهم وحكومتهم، تجلى في الالتزام بالتعليمات، واحترام النظام، والانصياع للتوجيهات، وأعداد المتطوعين الكبيرة التي جاءت للمساعدة وبعضهم من أماكن بعيدة، وعلى نفقتهم الخاصة، وبذلوا جهود مضنية، وتركوا عائلاتهم وابنائهم، من كل في المغرب للمساعدة في إنقاذ الطفل ريان، كأبي علي الصحراوي الذي تطوع للقيام بالحفر اليدوي لعدة أيام متصلة يواصل فيها الليل بالنهار لإنقاذ ريان.

        في الحقيقة بذل الجميع كل ما في وسعه لإنقاذ الطفل ريان، ولم يتهم أحد أحداً بالتقصير أو التقاعس أو التهاون في انقاذه، وأصبح ريان رمزاً للصمود والاتحاد، واستبشر العالم ببزوغ فجر جديد للوحدة العربية على يديه البيضاء النقية، واستمر الحفر لخمسة أيام متصلة دون كلل أو ملل، التحمت فيه الأمة بجماهيرها العريضة مع أهل المغرب، والتحمت فيه القيادة والشعب على أرض المغرب.

        كان الجميع يتمنى أمراً، ولكن الله قضى أمراً آخر، وكل قضاء الله خير، فطبيعة المكان وطبيعة الأرض، حالت دون اكتمال المشهد الذي كان يتمناه الجميع، خرج ريان محمولاً على نقالة طبية صغيرة، وبرفقته والديه، ومحاطة برجال الأمن، يهرولن بها كالريح المرسلة نحو سيارة الإسعاف لإنقاذه، وحتى لا تتعثر في طريقها بتجمعات الجماهير الهادرة، التي ما إن رأت ريان إلا وصاحت بالتكبير والشكر لله عز وجل على إنقاذه.

        خيم الفرح على المكان، وتعالت الأصوات، وشعر أهل القرية بالسعادة، وتناقلت وسائل الإعلام الخبر بسرعة البرق، وبعد بضعة دقائق معدودة، يخيم الصمت على المكان، ويطبق الحزن على الجميع، بعد أن أعلن أن ريان قد فارق الحياة، وتم نقله بواسطة سيارة الإسعاف للمستشفى العسكري، لتحديد سبب، ووقت الوفاة.

        صدمت قوية صفعت وجه الجميع، وأدمت قلوب والديه ومحبيه، وأبكت العالم وكأنه لم يعهد من قبل ذلك البكاء، واستطاعت أن تنتزع الدموع من عيون الملايين عبر العالم، طفل صغير في قرية نائية استطاع بصموده أن يوقظ الفطرة السوية في الشعوب العربية، ثم رحل صامتاً إلي جوار ربه دون أن يهمس ببنت شفة.

        روى الترمذي في مسنده، عن ابنِ عبَّاسٍ، رضيَ اللَّه عنهمَا، قال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يوْماً فَقال: (يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَل اللَّه، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشيْءٍ، لَمْ يَنْفعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بَشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّه عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وجَفَّتِ الصُّحُفُ)، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ : (احفظَ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أنّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْراً).

        أثبت لنا تلك الفاجعة، وتلك النهاية المؤلمة، على عكس ما توقعنا وأردنا وتأملنا، أن إرادة الله فوق كل شيء، وأن قدرة الله فوق كل قدرة، وتجلى خلالها معنى هذا الحديث الشريف، وظهر جلياً قدرة الله في إمضاء قضاءه وقدره، ولو أراد الكون بأسره شيئاً آخر، وأن على الإنسان أن يرضى ويسلم بقضاء الله وقدره، وأن يحمد الله على كل حال، كفى بتلك الحادثة أنها جمعت شتات الأمة المزقة على قضية إنسانية نبيلة، ولفتت الانتباه لآلاف الأطفال الآخرين الذين يموتون كل يوم دون أن يشعر بهم أحد، سواء من البرد أو الجوع أو الحروب، في سوريا والعراق واليمن وليبيا وأفغانستان، وغيرها من الأماكن التي لا يعلمها إلا الله، فالإنسانية لا تتجزأ، والرحمة لا تنحصر على حالة دون غيرها، فاللهم احفظ أبناء المسلمين في كل مكان.

 بقلم الكاتب/ هاني نبيل عبد الحميد

https://www.aklmko.com/story/2022/6/24/164515/-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%82%D9%8A%D8%AF-

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سبل الخلود في هذه الحياة

لماذا أسلم هؤلاء؟!

لماذا نحب شهر رمضان المبارك - عشق الروح