أيها المذنبون أمثالي هلموا إلي الله
إذا كنتم من هؤلاء، فتلك رسالتي إلي كل واحد منكم، سطرتها بقلم المحب الناصح، ولوعة المذنب التائب، ودموع المخلص النادم، وأشواق العاشق الولهان، أستل كلماتها من أعماق روحي، وأنقش حروفها بنبضات قلبي، وددت لو أنني أملك القوة والقدرة على نقشها بريشة ذهبية ومداد من نور في قلوب جميع المذنبين أمثالي، فأعيروني تفضلاً منكم صفحات قلوبكم النقية، حتى أنقش عليها تلك الكلمات.
أيها المذنبون أمثالي، إن قلوبكم النقية الطاهرة، ستظل دوماً على طهارتها ونقائها حتى وإن دنستها رواسب الجاهلية، وحطام الدنيا الزائلة، وحتى إن اعترتها بعض الشوائب الناتجة عن عثرات الطبيعة البشرية، أو اعترضتها بعض الأخطاء أو الزلات أو المعاصي أو السيئات، إذا أيقنتم أن للعبد رباً يأخذ بالذنب، ويقبل التائبين، ويعفو عن المذنبين.
ثم من هذا الذي لم تدنسه الخطايا والذنوب؟ اللهم إلا أن يكون معصوماً عن الخطأ، وهذا محال بين الناس إلا أن يكون نبياً مرسلاً بوحي صادق من السماء.
ثم كيف بنا ونحن أمام نص قطعي الثبوت والدلالة، ثابت كالطود الأشم، وراسخ رسوخ الجبال، يقول فيه حبيبنا ومعلمنا وقدوتنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) ، ومعلوم بأن لفظة (خطاء) صيغة مبالغة، كناية عن كثرة الوقوع في الخطأ.
ثم كيف نفسر قول الله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (39) سورة المائدة، وقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (89) سورة آل عمران، وقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (160) سورة البقرة، وقوله جل في علاه: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} (71) سورة الفرقان، وقوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (54) سورة الأنعام، وقوله جل جلاله: {وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (153) سورة الأعراف، وقوله سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (119) سورة النحل، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} (2) سورة محمد، وقوله سبحانه: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (70) سورة الفرقان، وقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (53) سورة الزمر.
أيها المذنبون أمثالي، إن كل تلك الآيات الكريمة المتناثرة في ثنايا سور القران الكريم، فضلاً عن الأحاديث النبوية الشريفة، نزلت بوحي من السماء لتبث الأمل في نفوس الخائفين، وتربت على قلوب القانطين، وتدفع اليأس والقنوط عن البائسين، وترد كيد المرجفين والمثبطين.
أيها المذنبون أمثالي، لا تظنوا أنكم بتلك الذنوب والمعاصي خرجتم من بوتقة الإسلام والعبودية، أو خرجتم من دائرة المحبة الإلهية، أو ضاقت عليكم رحمته التي وسعت كل شيء، أو حالت ذنوبكم بينكم وبين عظيم مغفرته، فإنها نعم جليلة أنعم بها رب البرية على جميع خلقه، وما جعلت الرحمة والمغفرة إلا للمذنبين والعصاة من أمثالي وأمثالكم.
إلي أولئك المذنبين الذين أقعدتهم وساوس الشيطان، وأوهمتهم أنهم أحيط بهم، وحادت بهم عن الصراط المستقيم، فظنوا أنهم حيل بينهم وبين التوبة، فانتكسوا بعدما ذاقوا حلاوة الإيمان، وتركوا العمل، واعتقدوا أنهم حيل بينهم وبين رحمة الله بحجة أنهم مذنبون، وجعلوا تلك الذنوب عقبة كئود، ثم تشرنقوا حولها في دائرة من اليأس والقنوط، وقعدوا يبكون بلا حراك، وهم ينتظرون المصير المحتوم.
إلي أمثال هؤلاء جميعاً أقول: بادوا بالتوبة إلي الله، فما يزال باب التوبة مفتوح، ولا تجعلوا الذنوب خندقاً يحاصركم، ويمنعكم من العمل لهذا الدين، فمنذ متى والناس لا يخطئون، ومنذ متى والناس لا يذنبون، ومنذ متى بلغكم عن الله الرحمن الرحيم، أن لا يرأف ولا يرحم ولا يغفر ولا يعفو عن المذنبين وهو الغفور الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.
أيها المذنبون أمثالي، أبتلك البساطة، وبهذه السهولة، تنهزمون وتفرون أمام عدوكم اللدود، وتخرجون من حلبة المنافسة، من الجولة الأولى، وبضربة لا وزن لها، ولا قيمة لها، تخرجون من السباق إلي الجنان، بشبهة واهية، لم تهشم رأساً، ولم تكسر عظماً، ولم تقصم ظهراً، ولم تحجب عقلاً، أو تخرس لساناً، يستطيع أي إنسان بكلمة واحدة، أن يمحوا أثرها، ويعدل بوصلة الإيمان في قلبه للفوز بالجولة الثانية بالضربة القاضية.
ثم أين صبركم؟ وأين ثباتكم؟ وأين عزيمتكم؟ وأين يقينكم؟ وكيف يستسلم صاحب القضية العادلة بهذه السذاجة المفرطة؟ أمام خصمه الذي يكيد له في الخفاء، ويمكر به في كل حين، ويترقب سقوطه في كل لحظة، ويحيك له المؤامرات، وينصب له الفخاخ، ويبنى له العراقيل ليضله عن الطريق القويم، ويبتسم عند كل هفوة، ويرقص طرباً عند كل غفلة، ويغني فرحاً عند كل كبوة، ويترقب بشوق سقوطك المستمر مرة بعد مرة.
هل تستسلم لعدوك الأزلي بكل تلك البساطة، وتسلمه سلاحك المتين ليذبحك بدم بارد، وتتركه فرحاً مسروراً بنصر مبين، وبين يديك كل مقومات النجاح، ومؤهلات النصر.
أيها المذنب التائب، يكفيك أن تعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأنه لا يزال يحبك، وأنه يفرح بعودتك وهو الغني عنك، وأنه يصبر عليك أملاً في نجاتك، وأنه جعل لك ألف مخرج للنجاة، فأحسن التوبة، وأخلص النية، وقاوم حبائل الشيطان، واصمد وتابع العمل، ولا تجعل الذنوب قيداً يخلفك عن ركب السائرين، فمنذ متى كان البشر ملائكة لا يخطئون، ولو أحجم كل مذنب عن العمل الدين لانكشف الميدان، ولم يكن ثمة أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
وفي نفس اللحظة أحذرك من الاستهانة بالذنوب، ومن تسويف التوبة، ومن التواكل على رحمة الله، فإنه الجبار المنتقم، كما أنه الغفور الرحيم، وعليك أن تبذل كل ما في وسعك للتخلص من رواسب الجاهلية، والتحلل من آثار الذنوب، وعليك أن تجتهد في رد الحقوق إلي أصحابها، ويجب أن يرافقك طوال الطريق، الخوف من الله، والرجاء في سعة رحمته ومغفرته ورضوانه، فهما جناحا الوصول إلي الله، فإن انتهي بك المطاف قبل أن تتحلل من كل الذنوب، حلقا بك إلي جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فالأعمال بالخواتيم، ومن عاش على شيء مات عليه، والله على كل شيء قدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بقلم الكاتب / هاني نبيل عبد الحميد
https://www.aklmko.com/story/2022/6/24/164524/-%D8%A3%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%86-

تعليقات
إرسال تعليق