رهاب الخوف من الإسلام - الإسلاموفوبيا
الإسلاموفوبيا هو الشعور المفرط بالخوف من الإسلام، وليست الخطورة في مجرد الشعور الداخلي بالخوف، بل تكمن في تحول هذا الشعور إلي مواقف سلبية تحض على التمييز والعنصرية ضد اتباعه، مثل: التعامل معهم بالعنف والكراهية الغير مبررة، أو تعمد إهانة الرموز الإسلامية المقدسة، أو السعي لتشويه الصورة النقية والراقية للإسلام، أو العمل على التضييق على أبسط مظاهر الشعائر الدينية الإسلامية، حتى وإن كانت تلك المظاهر ظاهرية كالزي المخصص للنساء، والحجاب، واللحية، أو التمييز السلبي في العمل، أو بالهجمات الإرهابية على المساجد والمراكز الإسلامية.
إن انتشار تلك الظاهرة يدق ناقوس الخطر العالمي، ويتطلب اتخاذ اجراءات فورية على الصعيد العالمي، والمحلي، والفردي، لأنها ظاهرة تشكل خطرا على الحضارة العالمية، والأمن والسلم العالمي، فإن تعداد المسلمين عبر العالم يقترب من حاجز المليارين، أي أنه يقترب من ربع تعداد سكان العالم، وأولى الخطوات لعلاج تلك الظاهرة، هي معرفة أسباب انتشار تلك الظاهرة الخطيرة.
إن أهم أسباب انتشار الإسلاموفوبيا، هو العداء الأزلي للإسلام من أرباب الديانات الأخرى، والسعي للقضاء على الإسلام، وتحويل هذا الصراع إلي صراع عقائدي حضاري، وهذا الصدام لم يتوقف منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى يومنا هذا، ولن يتوقف إلي قيام الساعة، فالسيرة النبوية حافلة باضطهاد كفار قريش، واليهود في المدينة، للإسلام والمسلمين، وتاريخ الدولة الإسلامية حافل بالصراع بين الحضارات القديمة مثل حضارة الفرس والروم.
ولو كان هذا الصراع غرضه إظهار الحق، والانتصار على الباطل، لكان صراعاً نبيلاً وشريفاً، إلا أنه اتسم بالكذب والتشنيع وبث الشائعات وطمس الحقائق والتهويل والتخويف، معتمدين على أحداث فردية منحرفة، وفتاوي متشددة أو مغرضة، ونصوص منزوعة من سياقها ومعزولة عن تاريخها، حتى تم وصم الإسلام عبر العالم بأنه دين الإرهاب والتطرف والعنف والبدائية والذكورية وظلم المرأة، وغذي تلك الظاهرة افتراءات الكتاب المستشرقين الذين بحثوا عن كل شاردة وشاذة في كتب التراث الإسلامي وصوروها للعالم على أنها الحقيقة الوحيدة عن الإسلام والمسلمين.
ومن أهم الأسباب للترويج للإسلاموفوبيا، استخدام الغرب في مواجهة الإسلام، لكل الوسائل والإمكانيات العلمية والمادية والتقنية والإعلامية الحديثة للترويج لتلك الظاهرة، واتبعوا أبشع الأساليب الغير مهنية والغير أخلاقية لتأجيج تلك الظاهرة، بغرض تشكيل الرأي العام للخوف من الإسلام، عبر التنميط، من خلال تقديم صورة نمطية سلبية للمسلم على أنه ذلك الشخص البربري المتوحش والمتعطش لسفك الدماء واستعباد المخالفين، والمتجرد من كل مشاعر الرحمة والإنسانية، والذي يحارب العلم والتقدم ويكره التقنيه، والجاهل المتخلف المنغلق على نفسه، والذي يعيش في الصحراء والبراري ويركب الحمير والجمال في القرن الحادي والعشرين، فضلاً عن فبركة الأخبار الكاذبة، وتسليط الأضواء على أخطاء المسلمين دون غيرهم، وتضخيمها، وتكرارها، وفي المقابل يتم غض الطرف عن كل الحالات المماثلة لأرباب الديانات الأخرى، للتأكيد على تلك الصورة النمطية السلبية.
والواقع يشير إلي نجاح تلك الخطة الجهنمية، وأنها آتت أكلها، وأثمرت، وأن منحنى الإسلاموفوبيا في تصاعد مستمر نتيجة لتلك الصورة النمطية السلبية، بالإضافة للحملات المعادية للإسلام من اليمين المتطرف في أمريكا، ولعل أبرز الدول التي تنتشر فيها ظاهرة الإسلاموفوبيا حالياً هي: ميانمار، والصين، واستراليا، والهند، والولايات المتحدة وكندا وأغلب الدول الأوروبية، لذلك فإنه ليس من الغريب أن تجد ظاهرة الإسلاموفبيا أرضاً خصبة للنمو، وشن حملات ممنهجة لتشويه المسلمين في عصرنا الحالي؛ كتلك الحملة الشرسة التي شنها الغرب على الرسول صلى الله عليه وسلم، عبر سلسلة من الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم والتي أشعلتها الصحف الدنماركية قبل عدة سنوات، ثم قامت الصحف الفرنسية مرة أخرى بتزكية النيران، وإعادة نشر تلك الصور مرة أخرى، فترتب على ذلك ردود أفعال غير منضبطة لبعض المحبين للرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تم استغلالها مرة أخرى لوصم الإسلام بالإرهاب والعنف.
والحق أننا نحن المسلمون في بعض الأحيان وبسذاجة بالغة كنا وقوداً لإذكاء تلك الظاهرة، فقمنا بتسليم أعدائنا السلاح بأيدينا ليذبحونا به من الوريد إلي الوريد بدم بارد، عبر الأفكار الشاذة، والجماعات الإرهابية، والفتاوى المتطرفة، والاعتداءات الفردية المتشددة، وبعض السلوكيات الخاطئة والمنحرفة في أغلب المجتمعات الإسلامية بسبب تفشي الجهل والبعد عن الدين وغياب الوازع الديني والأخلاقي، والخلافات السياسية التي يصورها الغرب على أنها صراعات سببها اعتناق دين الإسلام، وعبر الاخفاقات الحضارية والعلمية والثقافية والمادية المتكررة في شتى المجالات، فضلاً على التعتيم المتعمد على تاريخنا المجيد والمشرق الذي حكم الإسلام العالم من المشرق للمغرب لعدة قرون بالعلم والعدل والحزم والرحمة والتعايش.
لقد انكشف القناع لكل ذي بصر وبصيرة أن الإسلاموفوبيا نوع من العنصرية الجديدة، بعثت من رقادها متدثرة هذه المرة برداء الدين بدلاً من لون البشرة، وبدى للعيان أن العدالة والمساواة والحرية التي ينادي بها الغرب مجرد شعارات براقة زائفة ولا حقيقة لها، لأنهم بالحض على الإسلاموفوبيا؛ فإنهم بذلك ينسفون قواعد التعايش بين الشعوب، ويخالفون أبسط قوانين حقوق الإنسان في التعبير عن الرأي وحرية الاعتقاد، ويهدمون قواعد الحرية المزعومة التي لطالما صدعونا بالكلام عنها، والترويج لها، ويهدمون المؤسسات والعلاقات الدولية التي انجزتها البشرية عبر مئات السنين للحفاظ على الإنجازات البشرية وتحقيق التعاون العالمي المشترك بين الشعوب، وبذلك يعرضون أمن ومصالح المجتمع الدولي للضياع والخطر.
عندما اطلعت على التقرير الثاني عشر لمرصد منظمة التعاون الإسلامي حول الإسلاموفوبيا والصادر في مارس 2019م، والذي يرصد أبرز مظاهر التمييز ضد المسلمين، وتأثير تلك المظاهر على حياة الملايين من المسلمين عبر العالم، ويوثق مختلف حالات العنف والكراهية ضد المسلمين، ويلقي الضوء على من يشعلون نيران تلك الفتنة من أعداء الإسلام ومناصري الكراهية، وربطت ذلك بما درسته من مقررات مرتبطة بالإعلام في الجامعة، وما أشاهده عبر وسائل الإعلام العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، تفاجأت بحجم تلك الحملة الشرسة التي تستهدف الإسلام والمسلمين، وأيقنت أنه يجب علينا جميعاً أن نتحد لمواجهة تلك الظاهرة.
والخلاصة، أن المسلمين يواجهون حرباً شعواء، من جراء الإسلاموفوبيا، ويجب على العالم أن يتكاتف لمجابهة الإسلاموفوبيا، لأنها ظاهرة تهدد الأمن والسلم العالمي، وقد تدفع المتعرضين لانتهاكات بسببها للقيام بأعمال انتقامية، لذلك يجب أن تتوحد الجهود العالمية لمحاربة تلك الظاهرة بالسير في كل الاتجاهات على التوازي، من خلال إصلاحات في التشريعات القانونية في البلدان التي تعادي المسلمين، ونشر ثقافة الحوار والتسامح وتقبل الآخر بين كل شعوب العالم، وإصلاح التعليم الديني وتقنين الفتاوي المتطرفة ومحاربة الجماعات الإرهابية من أرباب كل الديانات على حد سواء، ومراعاة التشريعات السياسية التي تقيد حرية المسلمين، ومعالجة المظاهر الغير إنسانية التي يتعرض لها المسلمون في البلدان الغير إسلامية، وعلى الصعيد المحلي يجب إنشاء إعلام إسلامي مضاد يسعى إلى تبليغ الحقائق الصحيحة عن الإسلام وحضارته إلى الآخرين، وتبصيرهم بقضايا المسلمين وأحوالهم، وعلى المستوى الفردي يجب على كل مسلم أن يستمسك بغرزه ويحافظ على دينه وعقيدته وشعائره وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الآخرين، كل ذلك من أجل أن يعيش العالم بأسره في أمن وسلام.
بقلم الكاتب / هاني نبيل محمد عبدالحميد

تعليقات
إرسال تعليق